ابن عجيبة

214

تفسير ابن عجيبة ( البحر المديد في تفسير القرآن المجيد )

يقول الحق جل جلاله : في جواب رجل سأل : هل قريب ربنا فنناجيه ، أو بعيد فنناديه ؟ فنزل : وَإِذا سَأَلَكَ عِبادِي عَنِّي . فقل لهم : فَإِنِّي قَرِيبٌ إليهم من أرواحهم لأشباحهم ، ومن وسواس قلوبهم لقلوبهم ، علما وقدرة وإحاطة ، أجيب دعوة الداعي إذا دعان ، سرا أو جهرا ، ليلا أو نهارا ، على ما يليق بحاله في الوقت الذي نريد ، لا في الوقت الذي يريد ، فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي إذا دعوتهم للإيمان والطاعة ، أسلك بهم طريق المعرفة ، وَلْيُؤْمِنُوا بِي أنى قريب منهم فيستحيوا منى ، حياء من يرى أنى معه حيث كان ، لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ إلى سلوك طريقتى ودوام محبتي . قال البيضاوي : اعلم أنه ، تعالى ، لما أمرهم بصوم الشهر ، ومراعاة العدة على القيام بوظائف التكبير والشكر ، عقّبه بهذه الآية الدالة على أنه خبير بأحوالهم ، سميع لأقوالهم مجيب لدعائهم ، مجازيهم على أعمالهم ، تأكيدا وحثا عليه . ه . الإشارة : قرب الحق تعالى من عباده هو قرب المعاني من المحسوسات ، أو قرب الصفات من الذات ، أو الذات من الصفات . فإذا تحقق المحو والاضمحلال ، وزال البين ، وثبت الوصال ، لم يبق قرب ولا بعد ولا بين ولا انفصال . قال الشيخ القطب العارف الكبير سيدي عبد السلام بن مشيش رضي اللّه عنه لأبى الحسن رضي اللّه عنه : حدّد بصر الإيمان تجد اللّه في كل شئ وعند كل شئ ، ومع كل شئ ، وقبل كل شئ ، وبعد كل شئ ، وقريبا من كل شئ ، ومحيطا بكل شئ ، بقرب هو وصفه ، وبحيطة هي نعته ، وعدّ عن الظرفية والحدود ، وعن الأماكن والجهات ، وعن الصحبة والقرب في المسافات ، وعن الدّور بالمخلوقات ، وامحق الكلّ بوصفه الأول والآخر والظاهر والباطن ، « كان اللّه ولا شئ معه ، وهو الآن على ما عليه كان » . وقال بعض العارفين : الحق تعالى منزّه عن الأين والجهة والكيف والمادة والصورة . ومع ذلك لا يخلو منه أين ولامكان ، ولا كم ولا كيف ، ولا جسم ، ولا جوهر ولا عرض ، لأنه للطفه سار في كل شئ ، ولنوريته ظاهر في كل شئ ، ولإطلاقه وإحاطته متكيف بكل كيف ، غير متقيّد بذلك ، فمن لم يعرف هذا ولم يذقه ولم يشهده فهو أعمى البصيرة ، محروم من مشاهدة الحق تعالى . ه . وهذه الإشارات لا يفهمها إلا أهل الذّوق من أهل المعاني ، فاصحب الرجال أهل المعاني تذق أسرارهم ، وتفهم إشاراتهم . وإلا فحسبك أن تعتقد كمال التنزيه ، وبطلان التشبيه ، وتمسّك بقوله تعالى : لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ ، وسلم للرجال في كل حال . إن لم تر الهلال فسلّم * لأناس رأوه بالأبصار